عثمان يحيى / احمد محمد الطيب

21

مؤلفات ابن عربى تاريخُها وتصنيفُها

أو مثل « الفيدانتا » ، فهنا كان يمكن لشخصية الشيخ الأكبر - تلك التي تشبه شخصية شانكارا - أن تنطلق وتزدهر بشكل متحرر دون عوائق ، ونفس الأمر لو فرضنا أيضا أن الشيخ ظهر في مجتمعات تدين بالقانون الوضعي الصّرف بل ربما اختفت المشكلة من الأساس ، ضرورة أن المجتمعات الوضعية لا تأبه بالمشكلات الميتافيزيقية من قريب أو من بعيد ، ولكن شاءت الأقدار أن تضع الشيخ الأكبر في مفترق طرق ليكشف من خلال تجربته الشخصية عن الاتجاه الحقيقي للاسلام . هذه هي - في اختصار - الأسباب الموضوعية التي فرضت علىّ اختيار ابن عربى كموضوع لهاتين الدراستين . أما فيما يتعلق بالأسباب الذاتية أو بعبارة أدق : الأسباب الشخصية ، فبرغم أن ذكرها قد لا يكون مناسبا إلا أنها كانت أسبابا حاسمة في اختيار الموضوع ؛ وقد يكون من المفيد أن أذكر عنها بضع كلمات ، إذ أن اتجاه المرء في البحث عن الحقيقة مشروط بعوامل خارجة عنه ، ومشروط أيضا بعوامل داخلة فيه ؛ وهكذا يصبح اتجاهنا - على وجه الخصوص - هو الجمع بين الأسباب الموضوعية المستقلة وبين الانسجام النفسي مع هذا الموضوع . لقد كان ابن عربى - إضافة إلى الأنصاري الهروي وابن عطاء اللّه السكندرى - أحد الشيوخ الأوائل الذين أيقظوا الاحساس الديني في نفسي منذ يفاعتى ، وانني لأذكر جيدا وأنا في سن الرابعة عشرة أنني كنت دائم التردد على حلقات العلم العامة التي كان يضطلع بها أحد كبار الشيوخ في مدينة حلب بالجامع الكبير هناك ؛ وكانت دروس الشيخ في هذه الحلقات تثير شيئا من الغرابة ، لأنها كانت تتعلق بتعاليم « ابن عربى » وتعاليم « ابن تيمية » ! ولما تقدمت بي الأيام عرّفنى زميل في المدرسة الثانوية الشرعية بحلب على شاب صوفي نقشبندى ، يدرس نصوص ابن عربى جنبا إلى جنب مع نصوص ابن تيمية وابن قيم الجوزية في حلقة كانت تضم مجموعة من طلاب العلم ، وحين أبديت دهشتي